
شعار غندور الأحدث من تصميم طارق عتريسي @atrissi
ديزاين D-E-S-I-G-N كلمة لاتينية تعني إعادة ترتيب الأجسام، وهي أشكال هندسية أبسط وحدة تكونها هي الخط المستقيم (Line). منذ ابتكار فن الخط العربي ظهرت استخدامات لفكرة الخط المستقيم بين حروفه لإضفاء لمسة جمالية ووظيفية على الأعمال، شوهدت الفكرة في البداية داخل لوحات الإشارة، ومع تطور التصميم كأداة تسويقية وتجارية واستعماله لفن الخط، شملت استخدامات ذاك العنصر شعارات المحلات والملصقات الدعائية في البلدان العربية ثم أُضيفت لاحقًا داخل الخطوط الطباعية الحديثة. يُطلق على ذاك العنصر اسم “الكشيدة”، وفي هذه التدوينة ننقل تعريفها والفلسفة وراء ابتكارها، والطرق المتنوعة لاستعمالها، كما نستعرض أمثلة لأعمال عربية بين شعارات وملصقات ونكتشف كيف لعبت الكشيدة دورًا في ترسيخ قوتهم وتأثيرهم.
الكشيدة تُلبس على الرأس
مصطلح كشيدة ليس عربيًّا بل معرب من اللغة الفارسية، ويعني “مَد” وله استخدامان فقط؛ الأول غطاء رأس إسلامي انتشر في العالم أثناء الخلافة العثمانية، وصارت مدينة ككربلاء تُعرف به كزيٍ رسمي ومَعلمٍ بصريٍ لها، وهو عمامة رأس أشبه بالطربوش المصري، لكن حوله لفة من القماش مثبتة بدبابيس، ويرتديها طبقات معينة من الرجال، يختلف لونها حسب مرتديها، فإن كان منسوبًا إلى أهل البيت ‒رضي الله عنهم‒ سيرتدي الخضراء، وإن كان من علماء الأزهر ستكون بيضاء، وإن لم يكن منهم فهي صفراء مرقعة. يُقال أن ارتدائها ظل شائعًا في البحرين حتى سبعينيات القرن الماضي. أما الاستخدام الثاني لمصطلح الكشيدة فهو للإشارة إلى معنى الامتداد أو الوصل الأفقي بين حرفين في الخط العربي. إن أردنا معرفة أقرب جذور اللغة لكلمة كشيدة، ففي معجم المعاني فعل ماضي من نفس الحروف اسمه “كَشَدَ” له معنيان:
- كَشَدَ الشيءَ: قطعه بأَسنانه قطعًا.
- كَشَدَ الناقةَ: حلَبها بثلاث أَصابع.
قد نلحظ وجود تشابه بين فكرتي الأسنان أو الأصابع الصغيرة، والخط المستقيم الصغير الموجود داخل جسم هندسي أكبر.

الكشيدة في الخط قبل التصميم

الكشيدة هي مد مستقيم بين حرفين، خط أفقي عمره مئات السنين ظهر مع ظهور الخطوط العربية ليوضع بين الحروف كأداة وظيفية وعنصر جمالي. بداية استعمالها كان بعد ظهور خطوط الثلث في العصر العباسي ووضع قواعد للخط على يد ابن مقلة ووجدت كي يتغلب الخطاط على عدم الكتابة على سطرين. استعمالها يوفر حلولًا بصرية عديدة، مثل تمديد النصوص وتوازن السطر داخل المخطوطة، أو ملء الفراغ، أو تعزيز طابع الهوية العربية داخله.


في العصر الحديث ظهرت للكشيدة استعمالات عديدة رقميًّا، مثل بيان شكل الحرف حسب موقعه في الجملة (ك، كـ، ـكـ، ـك)، أو داخل ملفات ترجمة مقاطع الفيديو للتعبير عن مد الكلمة بالصوت، أو استخدامها في برامج الكتابة لموازنة أطوال الشعر والنصوص الطويلة. تُرسم الكشيدة داخل كل الخطوط كخط أفقي ممتد على طول السطر بين الحروف، وفي الأغلب يكون طولها ابتداءً من حجم ثلاث نقاط وحتى اثنتي عشرة نقطة بنفس قلم الكتابة. غالبًا ما تكتب في القسم الأخير من الكلمة أما طولها فيحدده الفنان حسب نسبة الكتلة والفراغ داخل العمل. أغلب استعمالات الكشيدة تكون لتسهيل المقروئية وموازنة الكتل. وجودها ليس شرطًا لنجاح العمل الفني لكنها بالتأكيد كانت سببًا في نجاح كثير من الأعمال سنتحدث عن بعضها لاحقًا.

الشبه بين الكشيدة والحرف المرسل

من اليمين لليسار — عمل فني لستوديو شعير @shoairart – أحمد أبوالحسن @aboelhassan.art – محمود حسن @meemhassanz – إبراهيم حمدي @ibrohamdi – غير معلوم
من خصائص الحروف العربية الإطالة، وقد يخلط البعض عند رؤية حرف طويل ويظنه كشيدة. تلك الزيادة في جزءٍ من الحرف تُسمى “إرسال” ويبدأ طولها من ثلاث نقاط واتجاهها حُر، عكس الكشيدة ذات الاتجاه الأفقي، ويسمى الحرف ذو الإرسال بــ “الحرف المرسل”. يمكن إضافة الإرسال في أي موضع ومع أي حرف بشرط أن يكون الحرف قابلًا للإرسال، ولمعرفة هذه القواعد يجب الاطلاع على المَشق الخاص بكل خط. تختلف الحروف المرسلة من خط لآخر فحرف النون المفرد مثلًا يجوز إرساله في خط النسخ ولا يفضل في الكوفي، والعكس صحيح مع حرف الدال.



أعمال للخطاط وسام شوكت wissamshawkat@
أساسيات استعمال الكشيدة في التصميم الجرافيكي
يتعامل المصمم العربي مع فن الخط باستمرار لذا يُنصح بدراسة قواعده والتي نحاول مشاركة أهمها وعلاقتها بالتصميم في هذه المدونة. لمعرفة كيفية رسم الكشيدة ومراعاة أحجامها ونسبها حسب الحرف أو حسب نوع الخط، إذ أن أقصى طول للكشيدة يختلف من خط لآخر، يُنصح بطلب الإرشاد من خطاط أو متعلم لقواعد الخط. توجد بعض دروس لشرح رسم الكشيدة في خطوط النسخ والنستعليق. وعن الاستعمال الرقمي في برامج الكتابة فتُضاف عبر الضغط على زر كنترول مع حرف التاء وللنصوص الطويلة فتوفر برامج التصميم خيار إضافتها على كامل النص بضغطة زر (طريقة مختلفة في إنديزاين) وتوجد اقتراحات لكيفية تنسيقها.


ثريد للمصمم محمد شوشة على إكس
وصلتَ إلى الجزء الأهم. في البداية يجب إدراك أنه يفضل استعمال الكشيدة مرة داخل الكلمة الواحدة، لضبط الإيقاع أو ملء فراغ أو تسهيل القراءة، توجد استعمالات تصميمية ذات معانٍ أعمق ستُسرد لاحقًا. غالبًا ما توجد الكشيدة في الكلمات ذات الأحرف الكثيرة ومع ذلك لا يُمنع من وجودها في كلمة من حرفين أو ثلاثة، وسترى إمكانية ذلك بعد رؤية مواطن استعمالها وحذفها في الفقرة التالية. ذكرنا أن استعمال الكشيدة يكثر في القسم الأخير من الكلمة لكن يشيع وضعها في المنتصف عند بعض المصممين ظنًا منهم أنها توازن الكلمة والواقع أنها قد تبطئ القراءة، خصوصًا مع الخطوط اللينة (ديواني – نسخ – فارسي – ثلث). ما قيل لا يُجرّم استعمالها في المنتصف أو البداية إذ يرجع القرار لتقدير المصمم لكن الحديث هنا عن الاستعمال الشائع. الكشيدة ليست عنصرًا جماليًا وحسب بل هي كأي كتلة ذات أبعاد، لها وظائف هندسية؛ فإن كان تصميمك مائلًا لاتجاه واحد يمكن استعمال الكشيدة لموازنته وتحقيق مبدأ التناظر (Symmetry)، والعكس إن أردت كسر القاعدة ذلك سيكون حلًّا مثاليًّا لتمييزه. وإن كان تصميمك لا يحتوى على عنصر بطل يمثل نقطة ارتكاز (Focal Point) يمكن للكشيدة أن تقوم بذلك الدور وتوجه أعين المشاهد نحو أي نقطة.





من اليمين لليسار — عمل فني لمحمود عبدالغني @abdelghanyart – آية جنيدي @aya.g.designs – أحمد مطر @ahmedmatarstudio – سيف أبو مار @saif.abomar – وائل مرقص @waelmorcos
تستعمل الكشيدة مع معظم الخطوط اللينة والهندسية: مع خطوط النسخ والثلث والفارسي، ونادرًا مع والديواني ولا يستخدم مع الرقعة لأنها خطوط ابتكرت في الأساس للكتابة السريعة. خط الرقعة خط مضغوط (Condensed) وتصعب فيه الاستطالة ناهيك عن تشابه مد الكشيدة بحرف السين فإن أضيفت فيه قد تلتبس الحروف على المشاهد.
حالات إضافة وإزالة الكشيدة في الشعارات والليترينج والتايبوجرافي
هنا بعض القواعد المجمعة لحالات إضافة وإزالة الكشيدة. والهدف من هذا القسم هو تقديم احتمالات واضحة لرفع جودة تصميمك بناءً على قواعد وتجارب سابقة. مَواطن إضافة الكشيدة ليست قواعد سيفشل تصميمك إن لم يتضمنها فيه، بل هي اقتراحات قد تحل مشكلة أو ترفع من جودة العمل الفني، أما مَواطن المنع فهي مذكورة بناءً على أسس الخط العربي.
أماكن تستعمل فيها الكشيدة بكثرة:
- قبل اتصال التاء أو الهاء المربوطة.

عمل فني لسيف أبو مار @saif.abomar (يمين) – وائل مرقص @waelmorcos (يسار)
- قبل آخر حرف من الكلمة.


عمل فني للخطاط زكي الهاشمي @zakiartexpert (أعلى) – الخطاط ماجد اليوسف @majid_alyousef (يمين) – سمير شجيع @samirchajiaa (يسار)
- قبل الألف المتطرفة.


عمل لباسكال زُغبي @29letters (يمين) – أحمد ابو الحسن@aboelhassan.art (يسار) – باسم جمال @besoo.png (أسفل)
- قبل الراء.

صورة من حساب حدث الخط @hadath.alkhatt (يمين) – عمل لوائل مرقص @waelmorcos (يسار)
- بين النبرات أو لمنع التباس النبرات مع السين والشين.

عمل فني لإيهاب الحمزاوي @ehabelhamzawy (يمين) – آية جنيدي @aya.g.designs (يسار)
- أماكن لا تستعمل فيها الكشيدة:
- قبل الواو.
- بين نبرة ونون منتهية.
- بين اتصال نبرة وراء.
- بين نبرة وياء منتهية.
- بعد (ال) التعريف.
- بعد حرف اللام المبتدئ.
- بين حرفي اللام في الوسط.
- بين حرفي اللام والدال.
- قبل الياء المنتهية.
الكشيدة داخل أشهر الشعارات العربية

دمج الكشيدة في الحروف العربية يعطي الكلمة انسيابية كانت مفقودة، لذا حين تراها في شعار خطّي تأكد أنها وضعت لسبب. بعد بحثنا داخل الشعارات العربية لاحظنا أن الكشيدة تضاف لسبب من اثنين: الأول وظيفي لمحاذاة الشعار العربي مع نظيره الإنجليزي، وهذا يكثر في الشعارات المعربة كالتي في الأسفل، والثاني تجاري —أو لنقل إيسامي (Branding)— للتعبير عن قِيم الشركة واعتزازها بهويتها، وهو ما يهمنا في هذا القسم. قلنا أن الكشيدة ليست شرطًا لنجاح العمل الفني أو التجاري لكنها بالتأكيد ساهمت في نجاح شعارات عربية منها قد نراها كل يوم. في الفقرات التالي سنذكر بعض أشهر الشعارات والسياق التي صممت فيه ونحلل دور الكشيدة في تميزهم فنيًّا وتجاريًّا. الهدف توعية المصمم على احتمالات متنوعة لاستعمالات الكشيدة، من أجل إلهامه وتوعيته بعمق الطابع الذي تنقله حين توظَّف لأغراض مختلفة. التعرف على دراسات حالة مختلفة يزيد من وعي المصمم بطرق التعبير المختلفة، والتي استعملها غيره مع علامات تجارية في أسواق مختلفة، كما يُطلعه على طرق تفكير عدة ودراسات حالة قد تفيده مستقبلًا حين يبني هوية عربية.
غندور

العلامة اللبنانية الأشهر في سوق الأغذية ومن الأقدم عربيًا في مجال الحلويات والوجبات الخفيفة. غندور شركة عائلية بدأت في بيروت 1857 كمحل للسكاكر ثم افتتحت أولى مصانعها بقيادة مؤسسها محمد الغندور في 1912، وصُنِّف كأكبر مصنع للسكاكر بلبنان. جاءت الثلاثينيات وانضم «رفيق غندور» للقيادة وأدخل منتجات جديدة ومعه أصبحت الشركة رائدة في الابتكار، وفي أواخر الخمسينيات أخرجت غندور منتجاتها الأيقونية التي صنعت تراثها في المنطقة حتى يومنا هذا.

شعار غندور كان خطّيًّا فقط، ومع توسعها داخل لبنان أُضيفت شخصية الولد النادل لتمثيل رغبة العلامة في المساهمة لمجتمعها. شعار غندور موجود منذ أول القرن العشرين، واعتمد الخطاطون في ذلك الوقت على الخط الفارسي لمظهره الأنيق، المتدفق والحيوي، فكان استخدامه يربط بين الأصالة والعصرية بامتياز هذا جعل الشركة لا تتخلى عن جمالياته حين حاولوا تحديثه بعد قرن كامل. الكشيدة حركة بصرية محفوظة في الفارسي منذ نشأته واستخدامها للتصميمات الأيقونية، كالشعارات، يضمن لها التجدد اللانهائي. ولأن شعار غندور مبني على أسس كلاسيكية لم تختفي الكشيدة من تحديثاته الخمسة. أما عن دورها فمن الضروري النظر إلى طبيعة الكلمة العربية أولًا، غندور ليست طويلة فهي تتكون من حرفين منفصلين وثلاث حروف متصلة ذات نبرات (سنون). دخلت الكشيدة بين أول ثلاثة أحرف لتقسم الشعار إلى كتلتين متساويتين وتُزيد حجمه، فأكسبته ظهورًا أوضح وطلّة أكبر وبالتالي ميّزت الكلمة القصيرة في عدد وأشكال حروفها، ومع الزمن يتحول الشعار المميز الذي صاحبته سمعة جيدة عن العلامة إلى شعار أيقوني.

مجلة الهلال

أول مجلة ثقافية عربية، أسسها الأديب والصحفي اللبناني جُرجي زيدان الذي جاء مصر ليدرس الطب قبل أن يدخل مجال الصحافة ويعمل في أكثر من مجلة. كان زيدان، الذي سيُلقّب لاحقًا برائد الرواية التاريخية العربية، أستاذًا في كتابة أحداث التاريخ على هيئة قصة يقرأها العوام، لذا قرر نشر رواياته على أجزاء شهرية تُوزّع على شكل مجلة، ونشر أول عدد لها في سبتمبر 1892 تحت اسم الهلال. بدأت المجلة كمطبعة في حي الفجالة بالقاهرة لتتحول إلى دار نشر تُنتج أولى مجلاتها تحت نفس الاسم. توسّع نشاط الدار وأصدرت مجلات دخلت بيوت المصريين والعرب مثل “الكواكب” و”سمير” و”الاثنين” و”طبيبك الخاص”. أما عن الهلال فتعاقب على رئاستها أعلام في الصحافة والثقافة مثل صالح جودت وحسين مؤنس، وكتب فيها أشهر الأدباء العرب مثل طه حسين وجمال حمدان وميخائيل نعيمة ومحمود السعدني وعبد الوهاب المسيري ونجيب محفوظ.

كانت رغبة جرجي أن تصدر مجلة شهرية شاملة لكل المجالات التي يمكن الكتابة عنها، فاختار اسم الهلال لظهوره مطلع كل شهر عربي رغبة منه أن تلقى رواجًا ومتابعة بين القراء. بالحديث عن التصميم، اعتمدت المؤسسات والشركات في ذلك الوقت على فن الخط كهوية بصرية لها، فكانت الشعارات الخطية هي العنصر الذي يتفاعل معه المتلقي. وقد شهدت فنون الخط وتحديدًا خط الثلث حقبة ذهبية تحت حكم الدولة العثمانية، فقد اهتم به الخطاطون وطوروه بقوة. وأول شعار لمجلة الهلال رسمه الخطاط محمد جعفر بك. واستعمل فيه خط الثلث كونه الأشهر ليمثل شعار وهوية المجلة وتغيّر مع اختلاف المناخ العام والسياسات الحاكمة. شهدت المجلة زوال الدولة العثمانية ثم نهاية المَلكية وبداية الجمهورية ثم الحقبة الناصرية ونكسة يوليو مرورًا بالسادات ونصر أكتوبر ثم الربيع العربي وثورة يناير وما تلاهما من أحداث، مع كل حدث سياسي واجتماعي تغير الشعار ليُعبِّر عن المناخ الجديد الذي تعيشه الدولة.

حتى عام 2019 كانت قد مر زمن على آخر شعار وكان لا بد من تطوير شامل للمجلة خصوصًا مع تغير الزمن والأوضاع الاجتماعية، واختلاف المشهد البصري التجاري في الفنون والتصميم. كلما زادت عراقة المؤسسة صعب التغيير في هويتها البصرية لذا استحدث الشعار أحمد الزغبي المخرج الفني للمجلة ببعض التغيرات البسيطة. لكن التغيير الأكبر حدث في أواخر 2023 حين أصدرت المجلة عددًا خاصًّا بمناسبة نصر أكتوبر، وكان شعار الغلاف مستوحى من شعار بداية حقبة عبد الناصر. الشعار كان بالخط الديواني ويحتوي على كشيدة ولاحظ زغبي أنها جددت كثيرًا من مظهر الغلاف. استعان بشعار قديم مقترن بإرث وأحداث لم يشهده الجيل الحالي من القراء، واكتشف مزايا تصميمية وفّرتها الكشيدة مع الديواني، مثل الحيوية والمنظور وحرية دمج العناصر ما جعل المجلة ثلاثية الأبعاد على حد تعبيره. في الشعارات الأقدم كان من الصعب دمج عناصر الغلاف مع الشعار لأن منظره كان متكتلًا بعض الشيء ولم يُعطِ الحرية للمصممين، الأمر الذي وفره استخدام خط الديواني. ذلك التأثير أقنع زغبي بعد مدة لتثبيت ذلك الشعار على غلاف المجلة بعد مدة طويلة من عدم التغيير. عبّر تحديث الشعار المكشّد عن استلهام المجلة من مجدها القديم، وأعطى خيارات تصميمية حديثة لشكل الغلاف. أعاد رسم الشعار وترميمه الخطاط إبراهيم بدر.

شعار المجلة في 2019 (يمين) وشعار العدد الخاص في 2023 (يسار)
حجوجة

مطعم مصري يقدم وجبات طعام البيوت المصرية اسمه مستوحى من لقب “حَجّة” المقترن بالسيدة المصرية التي تطبخ طعام بيتها بنفسها وتوفر أجواء الدفء لأسرتها. أجواء المطعم تجمع بين البيتية الدافئة للأكل الفلاحي وأناقة المكان، لتجربة أكل نظيفة وهادئة. عكس حالة “غندور”، احتاجت العلامة شعارًا نصيًّا يُعبِّر عن شعار مسبق وهو الأيقونة المستوحاة من شخصية سيدة مصرية تخطّت منتصف العمر، لذا كان لا بد للشعار أن يعبر عن صفات مشتركة داخل كل بيت مصري تطبخ فيه ربة المنزل.

ما الذي يتوقع زائر مطعم أكل بيتي رؤيته على اللافتة؟ شعار شعبي حيوي ومرن لا يلتزم بقواعد سطرية، يعبر عن حالة الطبخ المُفعمة بالحركة والروائح الزكية، فيه من التدفق والليونة الذين يشوقانه لتناول الطعام. بصريًّا يُعطي “التكوين” الشعار تماسكًا يُعبِّر عن معانٍ كثيرة، كان واحد منهم هنا خبرة حجوجة في الأكل البلدي الأصيل. الشعار كلاسيكي وليس خط حر ويعتمد على المزج بين خط الثلث في حروفه، والديواني في دورانه وميله، لإيصال العفوية وعدم الرسمية، وكأنه شعار “معمول بالحب”. تتميز طلبات الشخصية المصرية بالاختلاف والتجديد في محاولة للتعبير عن الأصالة، لذا تميل التصميمات الشعبية إلى كسر المألوف ومحاولة اختراع أسامٍ وتكوينات غريبة. شعار حجوجة مُستلهم من تلك الشخصية لا سيما حين ننظر إلى التاء المربوطة التي تبدو وحيدة ومفردة، وكأن المصمم نسي أنها جزء من كلمة وربطها أيضًا بكشيدة مميزة، ساعدت الشعار على التنفس، وزادت ليونته وحيويته وأعطت التميز للحرف الأخير. الكشيدة هنا تسحب أعين المشاهد بهدوء وتوجهها ناحية التاء المعزولة. مع رسم نقاط حروف الجيم على شكل حِلقان حجوجة المشهورة، مما يُكوِّن لدينا شعارًا ذا مظهرٍ شعبي بامتياز. إحدى مميزات ذاك الشعار أيضًا مظهره الأنيق الذي يصدر للزائر اهتمام المطعم بالجودة عكس كثير من المطاعم الشعبية. صمم الشعار الخطاط عبد الغني شعير.

الرشيدي الميزان

رائدة حلويات المنزل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشبكة تصدير لــ 45 دولة واستحواذ على استهلاك 90% من السوق المصري. متجر الحلاوة والطحينة الذي بدأ في حي السيدة زينب عام 1889 بإدارة محمد حسين الرشيدي، وقدّم ابتكارات جعله علامة تجارية متأصلة في الثقافة المصرية، يُعد الآن من أقوى العلامات التجارية المصرية. أما عن طبيعة العلامة فسُمعة شركة كالرشيدي تُختصر في الدفاع عن الجودة والتراث المصري. تُحاول الشركة الاستمرار في تقديم جودة موحدة لمنتجاتها، وحتى الآن لم تتوسع لأسواق غير مألوفة عنها. رؤيتها تتلخص في «تقديم طعام مغذي عالي الجودة بقيمة كبيرة لأكبر عدد ممكن من الناس»، ووعد العلامة: «نحن نلبي الاحتياجات اليومية للطعام من خلال المنتجات المغذية عالية الجودة التي تقدم طعمًا رائعًا بقيمة كبيرة لمساعدة الناس على الحصول على أفضل النتائج من يومهم». شخصية العلامة مصرية بامتياز تحاول التفاني في عملها، وتبتعد عن المخاطرة بهدف الربح وتقدر قيمة منتجاتها ومكانتها داخل البيت المصري، وهذا واضح في مهمتها.

بالنظر إلى اسم “الميزان” ومن وعد العلامة وشخصيتها المحافظة، يتبين لنا سبب استخدام خط الثلث في أولى شعاراتها، فالثلث خط ذو شخصية لا تحب المخاطرة وأصعب الخطوط في الكتابة واستخداماته التصميمية أقل منهم. إضافة الكشيدة بعد الميم كانت من منطلق كلاسيكي بحت يصفه الخطاطون بأن تسلسل الحروف “مُغري لإضافتها”، وأي خطاط يكتب هذه الكلمة كان سيفعل الشيء نفسه. الأمر أشبه حين تسمع صوتًا أو نغمة تعلق في أذنك وتظل تدندنها لأسبوع. حين تأتي الميم بعد لام وبعدهما حرف ياء ببدايته الصاعدة، ويليه زاي نازلة، يُخلق تسلسل من الحركات يتحرك فيه قلم الخط داخل اتجاهات متعرجة، وكأنه قطار الموت في الملاهي. بالنسبة لأي خطاط تلك مساحة واسعة للابتكار والتجربة نرى مثالًا عليها في شعار الرشيدي بإضافة كشيدة بعد الميم ورسم قنطرة (اسم الاتصال) بين الياء والزاي. يمثل شعار شركة الرشيدي الميزان استخدام مرن ونادر لخط الثلث لأغراض تصميمية.

ناظم

مشروع قهوة ناظم الشركة التي كانت تستعد لدخول السوق المصري بخطوات مدروسة واحتاجت استراتيجية وهوية بصرية، نُفِّذا في ستوديو شعير. ناظم محمصة قهوة تقدم مجموعة متنوعة من حبوب القهوة بدءًا من التوليفات الأصلية وحتى القهوة المختصة، كما تهدف لجمع كل محبي القهوة على نفس الطاولة وتقديم تجربة فريدة تناسب كافة الأذواق. عند بناء شخصية العلامة برزت ملامحها وشكلت صورة عجوز حكيم مثقف لديه حكايات أصيلة وشيقة. طباع ناظم تتمثل في السمات التالية: الحكمة، ثقة السنين، خبرة العمر، الأصالة، هيبة ووقار الأجداد، الثبات، احتواء الكبير للصغير، ترابط الأحبّة لاحتساء القهوة معًا، قيمة المشاركة وتقبل الجميع.

لتحقيق جميع ما سبق داخل الشعار وقع الاختيار على الاستلهام من الثلث في كتابته نظرًا لما تحمله جمالياته من صفات مشابهة. القرار الثاني كان رسم الشعار داخل تكوين لأن التداخل هو ما يخلق للنص العادي شكلًا هندسيًّا مميزًا تستطيع فيه الكلمة أن تبدو بمظهر أقوى وتوصل رسائل بصرية أعمق. وتحقيق التكوين في كلمة واحدة لن يأتي سوى بتداخل الحروف، وهنا يبرز دور الكشيدة التي جعلت من هذا الخيار ممكنًا، فخلقت ترابط ومساحة تحتوي باقي الحروف وتزيد من تماسك الشعار، لأن حروفه صارت أقرب لبعض. تلك التداخلات بفعل الكشيدة ستضفي سمات شبه إنسانية على الشعار كالتماسك فالقوة، الاحتواء والترابط، والخبرة المتراكمة. الكشيدة حققت المراد إيصاله من الشخصية التي أرادت العلامة الظهور بها: الحكيم المُحب؛ والمنصوص عليها مسبقًا داخل الاستراتيجية. بدون الكشيدة قد تفقد الكلمة الكثير من تميزها، ولن تحمل رسائل تسويقية لعلامة أكبر من مجرد قهوة. الرسائل المستوحاة من قيم العلامة والتي يحاول المصمم التعبير عنها داخل الشعار لتحقيق مفهوم الإيسام.

عبية

محمصة قهوة عربية مستوحاة من أصالة المكان وبساطة المنتج، “عُبيّة“، علامة تختص بتقديم القهوة العربي داخل المملكة العربية السعودية. أساس استلهام العلامة من منطقة نَجد والصفات الإنسانية للعلامة تمثلت في البساطة من طبيعة المنطقة وحياة أناسها. أصل التسمية يعود إلى اسم خيل الملك عبد العزيز، عُبيّة، ومعناها الكبر والنخوة والفخر، التي رافقته في رحلة توحيد القبائل قبل تأسيس المملكة، وشهدت معه صراعات المنطقة. عمل ستوديو شعير على استراتيجية بناء العلامة وتحديد تموضعها في السوق (Brand Positioning) بعد اكتشاف طبيعة تقديم المنتج. في المملكة تُقدم القهوة العربية إما سريعة التحضير منخفضة الجودة أو برُقيٍّ واختصاص عالٍ مع تنوع في الحبوب، وبناءً على ذلك، حددت عبية مكانتها كمتجر يقدم “قهوة عربية، في كل حين”، عبر توفير حبوب قهوة بمعايير مرجعية، والتركيز على إعطاء تجربتها كما يجب أن تكون.

يمكننا رؤية مثلث من سمات هوية عبية يتشكل أمامنا: البساطة والكرم مستوحيان من سلوك وثقافة أهل المنشأ، الفخر وكبرياء العرب من تاريخ المنطقة، الفخامة والرقي في تقديم المنتج، وعلى ذلك، صُمم الشعار والهوية البصرية. استلهم المصمم أحمد غانم في تصميم عناصر الهوية من طبيعة المكان والطقس، فصمم الأنماط التصميمية (Patterns) من أشكال داخل عمارة وزخارف البيوت القديمة في نجد، واختار الألوان من الطبيعة الترابية والظلال الدافئة التي تسود الجو.


في الشعار النصي لا سبيل للمصمم كي يعبر عن صفات العلامة إلا باستغلال أكبر قدر من التفاصيل المتاحة داخل الحروف. اختيار نوع الخط يعتمد على خصائص المشروع، فخطٌ كالنسخ قد لا يبدو بسيطًا بما يكفي للتعبير عن منتج زراعي أصيل يُقدم في منطقة صحراوية بدائية، إذ رأى الخطاط عبد الغني شعير أن النستعليق هو الأمثل لهذه المهمة وأيضًا لتقديمه شعور الفخامة بسبب التباين العالي داخل سُمك حروفه. ورسمه على النسق السطري الخاص بالنسخ ليحافظ على ثبات الشعار. بالنظر إلى كلمة عبية سنجد أن حروفها قليلة ومتشابهة وقد لا توجد مساحة لعمل تكوين، مثل ناظم، كما أن أكثر حروفها صغيرة ولها سنون، عدا حرف العين الكبير بالمقارنة مما سيحتم إضافة عنصر مؤثر على اليسار كي يحافظ على اتزان الشعار وهنا يأتي دور الكشيدة. الكشيدة أعطت المصمم فرصة لتقسيم الكلمة، وظهرت كعنصر بطل بالمقارنة مع باقي الحروف، الأصغر حجمًا والأقل جذبًا للعين. استعمالها في هذا الموضع يدلل على قيمتها كعنصر فني قائم بذاته، شأنه شأن الزخارف وتأثير الفرشاة. تستطيع رؤيتها وكأنها حرف خامس كما أن القَطع المضاف قبلها يجبر عين المشاهد على التوقف وتأملها، وهو ما قد يعبر أيضًا عن حالة متذوق القهوة بعد أول رشفة. بالطبع ليست كل الاعتبارات داخل الشعار مقصودة فهدف المصمم الأول ابتكار شعار مميز ومُعبّر، وقد تُكتشَف لاحقًا معانٍ أخرى حققها الشعار.

ثمانية

شركة إنتاج المحتوى السعودية التي تسعى لصحافة أفضل واستدامة المحتوى العربي. بدأت ثمانية منذ عشر سنوات بنشر محتوى ترفيهي وأفلام وثائقية، حتى أنتجوا أول بودكاست لهم تحت اسم “فنجان”، وبمرور الوقت أضافوا برامج إذاعية متنوعة. جاءت نهاية 2022 بنجاح لم يسبق حيث قفزت مشاهداتهم بعد نزول حلقة من فنجان تخطت الخمسة وعشرين مليون في شهرين، وهي أعلى حلقة بودكاست مشاهدة في العالم. مطلع 2024 أعلنت ثمانية عن تغيير رؤيتها فبدلًا من الاستمرار في إنتاج محتوى قرروا المخاطرة وتحويل نشاط الشركة لتكون حاضنة لصناع المحتوى في العالم العربي. أصبح هدفهم استدامة المحتوى العربي ككل ولتحقيق ذلك عملوا على منتجات لإنشاء المحتوى المكتوب والمسموع: الأول موقع ثمانية للمقالات والنشرات البريدية، والذي يعتبر النسخة العربية لمنصات مثل ميديم وسابستاك ووردبريس، والثاني تطبيق راديو ثمانية لنشر المحتوى السمعي بتجربة مستخدم هي الأولى من نوعها عالميًّا.

بين الشعار القديم (يمين) والأقدم (يسار) نلاحظ أن الأول ساهم في رفع تموضع الشركة عربيًّا وحسن من شكل هويتها وربطها أكثر بجذورها العربية لخدمة رؤية الشركة: معًا لصحافة عربية أفضل. الشعار والهوية من تصميم ستوديو شدّة السعودي. أكثر الخطوط استخدامًا في الجرائد والصحافة العربية قديمًا كان النسخ، لذا صُمم شعار ثمانية القديم بالاستلهام منه.
هوية ثمانية الجديدة أكثر حيوية وتتضمن ألوانًا وخطًّا طباعيًّا باسمها وشعارين نصيّ وأيقوني للاستعمالات الرقمية. عملت على الهوية وكالة ميلك نتورك السعودية، وصمم الشعار النصي وائل مرقص، أما خط “ثمانية” الطباعي فهو من رسم الخطاط زكي الهاشمي. ما يهمنا هو الشعار حيث نرى عليه أشكالًا جديدة للحروف وإزالة أغلب حركات التشكيل وإضافة الكشيدة، وهي أقوى عنصر عبر عن شخصية ثمانية الجديدة. الشركة توسعت وكذلك رؤيتها ونشاطها، وصارت شمولية أكثر بما تقدمه، ولأنها دخلت عالم التقنية والمنتجات الرقمية، فصارت الحركة والعصرية من صفاتها المكتسبة بعد التغيير، لذا وجب على الشعار أن يتخلص من تماسكه الذي يعبر عن المؤسسية والرسمية ويصبح مرنًا أكثر، عفويًّا أكثر، شموليًّا أكثر وذا مسافة أطول. يجب عليه أن يمتد ليعبر عن كبَر الشركة ورغبتها في الاحتواء. أظن أن ما سبق أوضح بما فيه الكفاية تأثير الكشيدة الذي حاول فيه المصمم إبلاغ المشاهد بالتغيير الذي طرأ على الشركة.


الصور من حساب وكالة ميلك نتورك @bymilknetwork
في الختام
يمكننا اختزال الكشيدة في كونها أداة تؤثر على جودة العمل الفني. قد تساهم في عمل تكوين أو تمييز للنص، أو تعبر عن التغيير الحداثي أو عن التجديد مع اختلاف الظروف. قد توفر مساحة للإبداع أو تعبر عن الهوية وتسهل المقروئية، وقد تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وتفي بتوقعات المشاهد بناءً على مخزونه الثقافي. وقد لا تُعبِّر عن أي مما سبق، لكنك الآن قادر على التعامل معها والنظر لها باختلاف لتدرك تأثيرها على مشاريعك القادمة.






