2- كيف تعرب شعار أو فونت لاتيني؟

كيف يُعرِّب المصمم؟

إلى هنا نصل للجزء الأهم من هذا المقال وهو أنواع التعريب ومراحل صُنعه. لكن قبل أخذك للغوص في رحلة التفاصيل يجب تعريفك على الفرق بين طرفي المعادلة: الخط العربي واللاتيني.

الفرق بين الحرف العربي واللاتيني

في التعريب، تضع طبيعة الكلمة وحروفها قيودًا منذ البداية وبناءً عليها تسهل أو تصعب خطوات العمل. قد تكون الكلمة متناسقة في الإنجليزية ومن ثم يختل تناسقها حين تُعرب، لماذا؟ بسبب هذه الفروقات:

  • ارتفاع x: لا شك أنك سمعت بهذا المصطلح في أقصر منشور أو فيديو يشرح أساسيات قواعد تنسيق النصوص (Typography)، إن وددنا استذكار تعريفه فهو ارتفاع الحروف الصغيرة (lowercase letters)، التي لا تحتوي على امتدادات تصاعدية (ascenders) أو تنازلية (descenders) عن السطر.

ارتفاع x موجود فقط داخل النصوص اللاتينية إذ تتشارك الحروف السطرية (a, c, e, i, m, n, o, r, s, u, v, w, x, z) نفس الارتفاع أما الحروف العربية فأشكالها وارتفاعاتها تختلف عن بعض وبمختلف موضعها داخل الكلمة؛ فلا تتشارك حروف سطرية نفس الارتفاع.

لكن إن أردنا وضع مقارنة إجمالية تشمل الارتفاع الكلي لجميع حروف اللغتين سنجد أن ارتفاع x أقصر في الحروف العربية عنه في اللاتينية.

استخدام ارتفاع النص اللاتيني لتصميم النسخة العربية يكون غير مناسب أحيانًا. في تصميم الخطوط الطباعية، هناك خطأ شائع وهو نقل ارتفاع x من الخط اللاتيني، والذي قد يصل إلى ثلثي ارتفاع الحرف L، كما هو إلى الخط العربي، فيصل ارتفاع حرفٍ كالباء مثلًا إلى ثلثي ارتفاع الألف وتصعب القراءة. ورغم أن الشكل قد يبدو ظاهريًّا غير سيئ إلا أنه سيئ موضوعيًّا وبطريقة يمكن قياسها.

  • الديناميكيات المكانية (Spatial Dynamics): توزيع الحروف في المساحة الفارغة.

تحتل الحروف العربية مساحة أفقية (لليمين واليسار) أكبر من الرأسية (لأعلى وأسفل)، ويُعكس الأمر في اللاتيني حيث يحتل مساحة رأسية أكبر لأن حروفه أطول وأضيق.

  • المساحة الإجمالية: يحتل النص العربي مساحة إجمالية أقل لأن حروفه متصلة عكس اللاتيني.

  • المسافة بين السطور: في النص العربي تطول المسافة بين السطور عنها في اللاتيني بسبب كثرة الحروف التصاعدية والتنازلية، بينما تتميز معظم حروف اللاتيني بتَشارُكِ ذات الارتفاع.

  •  الاتصالات: تتميز اللغة العربية عن اللاتينية جوهريًّا باتصال حروفها ببعض، وهو ما يضع المصمم دومًا في تحدي ملئ فراغات غير محسوبة حين يرسم شعارًا أو مخطوطة. في النص اللاتيني يستطيع المصمم اللعب بحرية داخل النص وسيظل شكله مقبولًا (كوضع حرف ذا سِن-serif وسط حروف بلا سِن) لكن إن فعل هذا مع الخط العربي سيكسر الإيقاع. 

  • علاقة السُمك بهيبة الحرف: اختلاف هيبة الحروف ينعكس على سُمكها. يبرز هذا في تعريب الخطوط الطباعية، فالمصمم يحذر من جعل النسخة العربية نفس سُمك اللاتينية، لأن بنية الحروف مختلفة وأشكالها تتحكم في شخصياتها ومنظرها للقارئ. قد لا تحتاج بعض من حروف العربية أن تكون سميكة بنفس قدر الإنجليزية لأن هيبتها، أو شكلها، يعطيها حجما أكبر مما تبدو عليه. بالتالي ترى خطوطًا نصية (Text Fonts) مُعربة يتشارك فيها النصّان نفس الوزن، لكن حين تُدقق النظر ستجد اختلافًا في السماكة.

كانت هذه المقارنة واجبة لفهم ما هو قادم، أنت الآن جاهز لفهم طرق التعريب.

أساليب التعريب

قبل الحديث عن الطرق الصحيحة للتعريب لا بد أن نتطرق للطريقة الخاطئة التي تنتشر لها مقاطع تعليمية بين المصممين. تعتمد الطريقة على قلب حروف النص اللاتيني لعمل أشكال الحروف العربية مع بعض التعديلات، مع عدم مراعاة طبيعة الحروف العربية أو الفروقات بينها وبين واللاتينية. كما تُعمي الطريقة المصمم عن كتابة علاقات حروف صحيحة وعن معرفة أشكال الحروف الأساسية والأحجام المسموح وتجعله دون مرجعية والنتيجة: نص صعب القراءة منخفض الجماليات وغير موفق فنيًّا.

التصميم باستخدام الخط العربي لا ينجح دون معرفة القواعد الخاصة بالأخير. جميع طرق التعريب المذكورة لاحقًا تعتمد في الأصل على طبيعة النص العربي وهيكل بناء الحروف والأهم وجود المرجعية، التي توفر للمصمم مساحة مناسبة للإبداع وتضمن استقرار مراحل العمل؛ فيستطيع إنتاج أعمال مريحة بصريًّا ومقروءة تُحقق الغرض من وجودها. جديرٌ بالذكر أن ثمة مشاريع تعريبية كثيرة مشهورة تجاريًّا لكنها غير موفقة فنيًّا، فلا تأخذ كل ما تشاهد كمرجع دون الرجوع إلى مُتخصص.

هناك مدرستان للتعريب، يتفقان في وجود المرجعية ويختلفان في باقي مراحل العمل وشكل المُخرج النهائي. جميع المصممين يجتهدون لنسخ المعنى والرسالة من النص اللاتيني إلى العربي، فقط باختلاف الأولويات وطريقة التفكير، وكما ذكرنا سابقًا أن التعريب والترجمة يتشاركان الهدف لا الوسيلة؛ فكذلك أساليب التعريب التصميمي. لا توجد طريقة أصحّ من أخرى لأن من يتحكم بالعمل النهائي هو متطلبات المشروع، وخلال رحلتك المهنية قد تعمل بالطريقتين.

تعريبان لنفس الشعار من تنفيذ المصمم اليمني سعد الثرياء saadalthoraya@

معظم المصممين المنشورة أعمالهم داخل المقال عملوا بكلا الأسلوبين، لكن تأتي التفضيلات الشخصية في مشاريعهم الشخصية، أما في التجارية فسترى الكل يعمل حسب الموجز الإبداعي (Brief) ومتطلبات العلامة، لن يطلب العميل طريقة بعينها، لكن فهم المصمم للمشروع سيوجهه نحو الطريقة الصحيحة لتنفيذه، وقد تكون خلاف ما يعمل به في أوقات فراغه.

إن كنت ترى طريقة أنسب من أخرى للوصول إلى نفس الهدف، فما عليك سوى إثباتها للعميل، وكن مرنًا حين تُرفَض، وحاول إظهار ما يريدونه لكن بأسلوبك. كثيرٌ من العملاء يود رؤية شيء مُحدد ليوافقوا على ما ستفعل حتى وإن خالفوك عليه في بداية المشروع، أحيانًا تكون وسيلة الإقناع الأنجح هي إعطائهم ما يريدون ثم شرح ما تراه مناسبًا.

شعاران من تعريب المصمم الإيراني رضا بختياري فرد rbakhtiarifard@

طريقة التعريب الأولى عملية مباشرة يطمح فيها المصمم لإخراج منتج نهائي وظيفي بحت، أي يجب أن يؤدي غرض استنساخ المظهر والإحساس من الشعر الأصلي، حتى لو على حساب بعض القواعد الكلاسيكية. يعتمد المصمم النص اللاتيني كنقطة البداية ويخرج عملًا يُشعر مُشاهده بسهولة صنعه، لأن شكله يبدو متوقعًا منذ البداية. تُسمى هذه المدرسة المزاوجة الخطية وبالإنجليزية Matchmaking.

الطريقة الثانية تسمى التوطين أو وبالإنجليزية Localisation، وهو الاعتماد على السياق العام للبلد والثقافة والتراث كنقطة البداية لتعريب النص الأجنبي. يولّي المصمم المضمون أهمية أكثر من الشكل لذا يتعمق أكثر داخل الخط العربي وأنواعه وتفاصيله ليوصل ذات الانطباع الموجود في النص الأصلي. تصحب هذه الطريقة بُعدًا ثقافيًّا لتصور المصمم عن التعريب.

يمكنك التفكير في الفرق بين المزاوجة والتوطين كالفرق بين التعريب والترجمة المذكوران في بداية المقال. تستعمل الطريقتان في تعريب النصوص سواءً الشعارات أو الخطوط الطباعية وسنستعرض مثالين لكلًا من الطريقتين.

المزاوجة الخطيةMatchmaking

شعارات عربية بطريقة المزاوجة لمصممين عرب – من محاضرة دورة تعريب الشعارات بشعير سكول

نود الاستعانة بمنشور للخطاط ومصمم الخطوط الطباعية محمد عبد الهادي يتحدث فيه عن أساليب التعريب، ويصف أسلوب المزاوجة كالتالي:

“تعتبر الأكثر انتشارًا بين المصممين وشركات تصميم العلامات التجارية الآن لعدة أسباب من أهمها:

  • توفر العديد من النماذج التي يمكن محاكتها بدلًا من التواصل مع مختص يقوم بعملية التصميم.
  • عدم اهتمام العميل بعمل استثمار مادي والاتفاق مع مؤسسة متخصصة تصمم هذه النسخة العربية مما يؤدي إلى ترسيخ صورته عند المستخدمين أو الزبائن العرب.

وتتميز هذه الطريقة بأنها تنتج في نهاية العمل نسخة متوافقة ومنسجمة بشكل كبير مع العلامة الأم أو الأساسية، وبالفعل تستحوذ هذه الطريقة على إعجاب أكثر من 85٪ من أصحاب العلامات التجارية الأساسية، وتنحصر اختياراتنا في هذه الطريقة على خطوط هندسية بسيطة مستوحاة من الخط الكوفي تحاكي سماكات والشكل العام للماركة الأساسية”.

يركز المصمم على إيصال الطابع الذي يحدده النص اللاتيني مع تكييف النص العربي ليكون مشابهًا له. كخطاط أو مصمم درس الخط قد ترى تطويعًا مبالغًا لبعض الحروف، أما كمشاهد سترى هذا الأسلوب يحقق توقعاتك عن النسخة العربية للشعار الذي تعرفه مسبقًا.

لنتعمق قليلًا داخل خطوات العمل المزاوجة الخطية:

1- اختيار الاتجاه الإبداعي.

2- اختيار أشكال الحروف.

3- رصد الخصائص المميزة.

4- التجارب والتعديلات الأخيرة.

يبدأ المصمم أولى الخطوات باختيار “الاتجاه الإبداعي” عبر تحليل النص اللاتيني. الاتجاه الإبداعي يمثل المرجعية الشكلية التي سيبدأ منها المصمم بناءً على شكل النص اللاتيني، فإن كان النص هندسيًّا قد يختار المصمم الخط الكوفي كمرجعيته الأساسية، وإن كانت حروف النص عالية التباين قد يختار خطوطًا كالثلث والفارسي والديواني. تؤسس هذه الخطوة للخطوات القادمة لأن المصمم يحلل بدقة لاختيار البداية المناسبة التي تتيح له إقرار أشكال الحروف “المبدأية” وعلاقاتهم (المسافات والكتلة والفراغ بينهم) واتصالاتهم، من الخطوط الكلاسيكية المتاحة. الآن هو يعلم من أين يبدأ.

مثال: رأى المصمم شعارًا عالي التباين، وبعد التحليل قرر البدء بالتعريب من خط الثلث، حينها سيأتي بمشق أو مخطوطات الثلث، أو يستحضر العلاقات والأشكال من ذاكرته، ويبدأ بكتابة الشعار به. مع التركيز على اتصالات الحروف وأشكالها المختلفة، سيجرب المصمم العديد من الأشكال والاتصالات حتى يختار الأنسب.

شعار جالكسي من تعريب المصممة والخطاطة المصرية ريهام كرم  _rihamkaram@

هناك أيضًا عامل الديناميكيات المكانية (ارجع لقراءتها إن نسيت)

عندما تعرّب لغة تمتاز بارتفاع حروفها وضيق مساحتها، تحتاج إلى اختيار خط يحمل نفس الصفات، وهذا ينطبق على الكوفي، لأنه هندسي ويستطيع لعب ذلك الدور، لكن خطوط واسعة كالنسخ إن ضيقتها، فستفسد مظهرها، ولن يفلح تعريبك. يقرر المصمم إن كان سيُخرج النص العربي بنفس الديناميكيات المكانية الموجودة في اللاتيني (Normal) -أي سيجعله ضيق وعالي الارتفاع- أم معكوسًا (Reversed) فيجعله واسع ومنخفض. اختيار الكوفي يعطي للمصمم حرية الاختيار بين العادي أو المعكوس -لأنه هندسي- أما باقي الخطوط فتجبره على اختيار النمط المعكوس.

الخطوة الثانية هي اختيار أشكال الحروف العربية بناءً على النص اللاتيني. ينظر المصمم للحروف العربية والإنجليزية ويقارن بينهما “هندسيًّا” ليبحث عن الحروف التي تتشارك ذات السمات الشكلية. ينظر المصمم لكل حرف على أنه عنصر جرافيكي، يتكون من خطوط متصلة أنتجت شكلًا، وما عليه الآن سوى النظر لذلك الشكل في العربية والبحث عن شبيهه في الإنجليزية.

يجري الآن البحث عن حروف تحمل نفس الأشكال في اللغتين، إن كنت المصمم قد تلحظ الآتي:

  • الأشكال الدائرية في حروف (م – ق – و – ف) موجودة في حروف (b – p – o – u).
  • حروفٌ كالنون تحتوي على شكل نصف دائرة تجدها في حروف (n – u – h).
  • حروفٌ كالألف واللام تحتوي على خط مستقيم تجدها في حروف (I –  L-  T) ويمكن أخذه من حروف أخرى.

ليس من الضروري فعل هذا مع كل الحروف، ففي بعض الأحيان قد لا تجد للحرف شبيهًا، فمثلًا قد تجد حرف “o” بارزًا داخل الشعار اللاتيني بينما لا تجد الواو داخل الترجمة العربية، هذا يعني أنه إن وُجد حرف o بشكل صارخ يشد الانتباه عن باقي حروف الكلمة، فسيكون عليك اختيار حرف عربي داخل الكلمة المُترجمة ليقوم بنفس الوظيفة.

من منشور للمصممة ندى إليان

سيأخذ المصمم الأشكال التي رصدها ويستعملها لرسم النسخة العربية مع التعديل على أشكالها وعمل اتصالاتها وعلاقاتها بناءً على مرجعه العربي الأول. يحاول المصمم أيضًا عدم أخذ شكل الحرف كله من اللاتيني، إن أراد أخذ شكل كمُنحنى (curve) سيأخذه لكن بتصرف لأن الروح الخاصة بالدورانات تختلف بين اللغتين.

تدريبات لمزاوجة شعارت لاتينية – kashkool.design@

تأتي ثالثًا مرحلة البحث عن الخصائص المميزة، كالتباين والسُّمك والعرض والمِيَلان ونهايات الحروف، أو إنحناء لحرفٍ أو كسر داخل إنحناء أو سِن أو ميل مميز داخل حرف، إلخ… ومحاولة ترجمته داخل النص العربي.

صورة من منشور للمصمم اليمني سعد الثرياء

شعارات من تعريبه

أخيرًا، تأتي التجارب والتعديلات النهائية بإضافة أو حذف الزيادات أو إعادة رسم والتلاعب ببعض الحروف. يصف بعض المصممين حروفًا كالحاء والهاء والكاف والصاد والضاد -في النسخ والكوفي- بتوفير الحرية لهم لكونها تتمتع بأشكال متعددة، عكس حروفٍ كالواو والقاف والباء والتاء والثاء. بعد تجارب عديدة، يختار المصمم الشعار الأكثر انسجامًا والأقل تناقضًا لنظيره الأجنبي كي يصل إلى محاكاةٍ متقنة. لا يُرى الشكل الكلاسيكي للحرف في العمل النهائي لأن دوره في مراحل الاستلهام وأول خطوة فقط.

شعارات مُزاوجة لاتينية من تنفيذ وائل مرقص (بربري) وأحمد أبوالحسن (سواح) – waelmorcos@ aboelhassan.art@

شعارات مُعربة من تنفيذ الخطاط والمصمم العراقي الأستاذ وسام شوكت wissamshawkat@

هذه أعمال للخطاط والمصمم العراقي الأستاذ وسام شوكت. يمكنك رؤية الاستنساخ المُتقن للاتيني في الشعارات العربية، لكنك بالكاد ترى أي ملمح لأشكال الحروف الشائعة. بالنسبة لأهل الخط ثمة حروف هنا لا تنتمي إلى الخط العربي لكننا سبق واتفقنا أن اتباع اللاتيني هو الأولوية في المزاوجة وهو ما ينجح أصحابها في تجسيده. يبرز استلهام الأستاذ وسام في كثير من الشعارات من الخط الكوفي وهي نقطة توكيد إضافية على ضرورة وجود مرجعية بصرية للمصمم تُرسي طريقة اتصالات الحروف وأشكالها. 

شعارات غير رسمية لألعاب فيديو من تعريب المصمم إبراهيم حمدي ibrohamdi@ 

من الأمثلة الجيدة لتنفيذ المزاوجة بناءً على علم ووعي جيدين بالحرف العربي أعمال المصمم والحروفيّ ومصمم الخطوط المصري إبراهيم حمدي. إبراهيم من متقني هذه الطريقة ويسعى دومًا لجعل الشكل النهائي متشابهًا بين اللغتين إلى حد كبير، ويرى أن ذلك يجب أن يتجلى بوضوح وقوة، باعتبار اللاتيني المصدر الأول للمشروع؛ وعلى سبيل المثال فحروف شعار لعبة Rise of Shadows مأخوذة من الخط الكوفي.

دراسة حالة تعريب شعار بطريقة المزاوجة: باراجون

على المشروع المصمم المصري أحمد جمال تحت إشراف مدير فريق التصميم محمد أبوعلي، وكان لنا حوارٌ مع الأول حول كواليس المشروع. استغرق التعريب حوالي شهرًا فكّر أحمد في بدايته بقلب حروف الشعار اللاتيني لعمل النسخة العربية، لكنه لم يخرج بنتيجة جيدة. بعد الرجوع لمديره اقترح الأخير تغيير الاتجاه والبحث عن أصل كلاسيكي للاستلهام منه. يمكننا فهم قرار أبوعلي لأنه يُعبر عن السبب الذي دفع الشركة للتعريب في الأصل، الاعتزاز بالهوية والعودة إلى الأصل، لذا كان من الطبيعي أن يسلك التصميم نفس النهج.

بعد تدقيق وتحليل للشعار قرر أحمد الاستعانة بالخط الكوفي الفاطمي كمرجعية لرسم الشعار. لم يسبق لأحمد كتابة هذا الخط فكانت الخطوة التالية البحث عن أساسياته واستلهام اللازم من قواعد وأشكال وأحجام للحروف، بالطبع لن يُرى الكوفي الفاطمي في المنتج النهائي فهو منبع الاستلهام فقط. بدأ أحمد بتنفيذ بعض الرسوم الأوّلية (Sketches) للتكوين وأشكال الحروف داخل الكلمة، مع وضع الشعار الإنجليزي نُصب عينيه. في هذه المرحلة يراعى المصمم التصرف الذي سيأتي بعد كتابة التكوين كما هو موضح بالأسفل، أُخذت نهايات حرفي R و N لتوضع على الواو ونفس الأمر مع حرف G والجيم. نرى للكلمة هيكلًا وتكوينًا يعتمدان في الأساس على خط كلاسيكي ذا قواعد موضوعة لا تحتاج للتعديل، وما يتبقى للمصمم هو التجارب الكثيرة في الرسم ثم مطابقة أبرز الصفات الشكلية داخل الشعار الأصلي. 

مراحل تعريب شعار باراجون. المصدر حساب المصمم أحمد جمال ahmedgaames@

يمكننا في حالة تعريب شعار باراجون رؤية المصمم يستعين بمرجعية كلاسيكية لبدء العمل ثم يذهب للشعار اللاتيني للمطابقة قبل جلسات من التحسينات ليخرج شعارًا عربيًّا يزاوج اللاتيني في المظهر. جميع تجارب هذا الشعار رُسمت على الحاسب دون ورقة وقلم وهذا شائع عند قطاع من المصممين؛ فلا تحكم إبداعك داخل وسيط أو أداة واحدة.

دراسات حالة تعريب خطوط طباعية بطريقة المزاوجة

المصدر: موقع مسبك بروتايب Protype

مشروع تعريب خطوط “WW3 Inktrap” و “WW3 Sans” للعبة الحرب العالمية الثالثة من

مشروع تعريب خطوط “WW3 Inktrap” و “WW3 Sans” للعبة الحرب العالمية الثالثة من تنفيذ مؤسس مسبك بروتايب للخطوط، المصمم والحروفيّ إبراهيم حمدي بالتعاون مع The 4 Winds Entertainment، شركة النشر والتسويق المُشرفة على تعريب اللعبة. يملك إبراهيم باعًا طويلًا في توظيف الحرف العربي لمختلف الوظائف والأشكال التصميمية كما يشتهر بأسلوبه الحداثي ومشاريعه التجارية والشخصية، المتنوعة؛ بالإضافة إلى عمله مع كيانات عالمية كسوني (Sony) ويوبيسوفت (Ubisoft). صُمم الخطّان الإنجليزيان من قِبَل مصممة الخطوط (تانيا تشيركيز) بالتعاون بين فريق التصميم الداخلي، وصُمم وزنان للخط -عادي وسميك- مع دعم الأحرف السّيريلية واللاتينية الممتدة.

المصدر: موقع شركة The4Winds

مزايا الخط أنه غليظ وبدون سنون (Sans-serif) وفيه فراغات مميزة (فخاخ الحبر-Inktraps) وهي تعديلات كانت تضاف قديمًا داخل أشكال الحروف لمنع تسرّب الحبر أثناء الطباعة وأصبحت تستخدم كصفة جمالية في تصميم الخطوط. أضيفت هنا لتوافقها مع هوية لعبة التصويب العسكرية. أيضّا يحتوي الخط على حواف مدورة للأحرف كعنصر للجرأة في أحجام النص الكبيرة دون أن تظهر في الأحجام الصغيرة والمتوسطة. تستخدم النسخة ذات الفراغات للعناوين (Display) أما نسخة WW3 Sans فتستخدم للنصوص داخل اللعبة وخارجها، مثل المقالات والترجمات.

اختيارات النسخة العربية بدأت من الاستلهام من الخط الكوفي، رأى إبراهيم أنه يتعامل مع خط هندسي حديث ذو حروف بداخلها تقطيعات داخلية صغيرة، فاختار الكوفي المربع كاتجاه إبداعي للعمل. رسم إبراهيم في أسبوع نماذج لأشكال الحروف والتقطيعات والتشكيل داخل الأحرف الثمانية والعشرين – أكثر من 370 تركيبة- لخط العناوين، وبمجرد موافقة فريق التصميم عليها نُقلت من الورق إلى الحاسب باستخدام برنامج Glyphs. في الصورة توضيح لخطوة اختيار أشكال الحروف بناءً على الأشكال الهندسية المشتركة بين اللغتين. أخيرًا انتقل حمدي لمرحلة تصميم الأرقام وعلامات التشكيل والترقيم، وأزال التقطيعات لعمل نسخة النصوص.

مثال ثانٍ للاستلهام من الخط الكوفي، خط انفينكس للعناوين لشركة Infinix للهواتف الذكية، من تصميم المصمم المصري وصاحب مسبك إيوان أحمد ظاظا، وهو تعريب لخطها اللاتيني Infinix Display. بدأ المصمم عملية التعريب بتحليل الخط اللاتيني أمامه، ليكتشف أنه هندسي بامتياز ويختار الكوفي مصدرًا للاستلهام. فَرد ظاظا جميع الرموز (glyphs) وبدأ صنع الحروف العربية بمطابقة أشكالها مع اللاتينية، فعلى سبيل المثال أُخذت أشكال حروف القاف والفاء والميم والواو من حرف O. أما بالنسبة لحروف لا نظير لها كالكاف والطاء أو العين المتوسطة فأُخذت أشكالها من الكوفي بتصرّف.

المصدر: موقع مسبك إيوان Iwan

والخطوة الأخيرة: تجارب عديدة لرسم الحروف العربية مع النظر إلى اللاتينية حتى الاستقرار على الشكل النهائي.

مثال ثانٍ للاستلهام من الخط الكوفي، خط انفينكس للعناوين لشركة Infinix للهواتف الذكية، من تصميم المصمم المصري وصاحب مسبك إيوان أحمد ظاظا، وهو تعريب لخطها اللاتيني Infinix Display. بدأ المصمم عملية التعريب بتحليل الخط اللاتيني أمامه، ليكتشف أنه هندسي بامتياز ويختار الكوفي مصدرًا للاستلهام. فَرد ظاظا جميع الرموز (glyphs) وبدأ صنع الحروف العربية بمطابقة أشكالها مع اللاتينية، فعلى سبيل المثال أُخذت أشكال حروف القاف والفاء والميم والواو من حرف O. أما بالنسبة لحروف لا نظير لها كالكاف والطاء أو العين المتوسطة فأُخذت أشكالها من الكوفي بتصرّف.

المصدر: موقع جوجل فونتس Google Fonts

تجارب تصميم خط Oi مُرسلة من د.دقاق

كما توقعت، بدأ الأستاذ برسومات مبدأية لبعض الكلمات بالعربية أمام ترجمتها الإنجليزية، كي يكتشف مع كل محاولة كيفية نقل تفاصيل الخط اللاتيني إلى العربي، وحين انتهى من تجربة الأفكار والاحتمالات التي تدور في ذهنه وشعر بالاكتفاء، تشكلت لديه رؤية واضحة لأشكال جميع الحروف العربية ليرسمها بالكامل، ويبرمجهم باستخدام جليفز (Glyphs).

وأنت تختم هذا الجزء يجب أن تعلم أنّ مهما اختلفت الخطوات، فالتعريب الموفق يعتمد على مرجعية، حتى لو لم تنوِ الالتزام بها، وحين نتحدث عن المزاوجة الخطية، فسترى الجميع يبدأ من مرجع كلاسيكي الأصل، حتى لو لم ينتهِ بإبرازه في العمل الأخير.

طريقة التوطين Localization

الطريقة الثانية تنطلق من مبدأ عدم جعل بنية النص العربي معتمدة بالكامل على اللاتيني، وبدافع احترام ثقافتنا وهويتنا الفنية دون الإضرار بالنتيجة النهائية. تكون البداية باستلام الموجز الإبداعي من العميل، وفهم المواصفات المطلوبة للمنتج النهائي، ثم الذهاب إلى الخط العربي والعمل على استخراج المنتج المطلوب منه.

شعارات عربية بطريقة التوطين لمصممين عرب – من محاضرة دورة تعريب الشعارات بشعير سكول

تركز الطريقة على تقديم تجربة مُخصصة للقارئ العربي، والبدء من المخزون الفني المحلي من أجل تعريب المضمون، لا الشكل فقط، وتُراعي فيها القواعد الكلاسيكية بشكل أكبر. يعتمد المصمم دومًا على هيكل خط عربي معروف سواء الرقعة أو النسخ أو الديواني وما إلى ذلك… كما في المزاوجة لكن لا ينسخ أشكال الحروف من اللاتينية، ويتجنب ابتكار أشكال للحروف غير مألوفة للقارئ العربي، والسبب ببساطة أن القارئ العربي معتاد على ما يشاهده يوميًّا داخل سياق مكانه ولغته وثقافته، فلا داعي لتقليد أسلوب غير مألوف لنقل الرسالة المنشودة.

حسب وصف من عمل بالتوطين فهي تُستخدم لتصميم شعارات وخطوط طباعية يرغب فريق تسويق العلامة في جعلها ترتبط بشكل قوي مع السوق العربي. توضع الخطوط الكلاسيكية كأوائل الحلول، حيث يتم أخذ اتجاه عربي خالص يتماشى مع شخصية العلامة التجارية، وتتعدد الاختيارات بين جميع أنواع الخطوط المتاحة.  تبدأ العملية بتحضير الموجز الإبداعي بجلوس المصمم مع العميل وفهم الحمض النووي الخاص بالعلامة وتاريخها وشكل شعارها ومصادر إلهامها والصفات الأساسية لشكل النص.

ثانيًّا: ينظر المصمم إلى الخط اللاتيني ويُحدد الإحساس الذي وصله في كلمات مفتاحية؛ مرن، جامد، حركي؛ ليختار خط كلاسيكي يحمل نفس الشخصية (حركي= ديواني أو فارسي، سطري= خطوط مغربية، هندسي= خطوط كوفية). يختار الخط كلاسيكي ويكتب به النص لكن تبرز فراغات غير متوقعة. بسبب اختلاف أطوال وأعراض الحروف العربية والعلاقات والمسافات بينها، تُخلق مساحات غير محسوبة داخل التكوين وتحدث خللًا في الشكل النهائي. الحل يكمن في البحث داخل الخطوط الكلاسيكية واتصالاتها المختلفة للوصول إلى طرق مبتكرة لشغل المساحة الفارغة وتوزيع الكتل داخلها. على سبيل المثال، يمكن للمصمم الاستفادة من اتصال حرفين في الخط الديواني لحل مشكلة فراغ واضح لا يمكن ملؤه بطرق أخرى. كلما زاد اطلاعك على الخطوط العربية، بما في ذلك تلك التي اندثرت، زادت قدرتك على حل المشاكل البصرية، ونَمَت محصلتك من الحلول الجمالية. رغم وجود أشكال وعلاقات مختلفة للحروف داخل الخطوط منذ القِدم كثيرًا ما يبتكر المصمم حلولًا جديدة بنفسه.

تدريبات لتوطين شعارات لاتينية – azalam@

ثالثًا: يعكس المصمم ما فَهِمه من عبق وأحاسيس ومعانٍ للنص اللاتيني على النص العربي، ويختار العناصر الجمالية التي تُظهر ذات القيم والجماليات من داخل الخط المُحدد في الخطوة السالفة. المبدأ هنا هو التشابه الموضوعي والتركيز على إيصال الروح من داخل شخصية الخط نفسه. الأمر يشبه أن تطلب من صديقين محاولة إضحاكك كلٌ بطريقته بدلًا من جعلهما يرددان نفس النكتة.

أخيرًا: تأتي عملية إضافة التعديلات الشكلية لبعض الخصائص الموجودة سلفًا في الشعار الأصلي. لا يتم إهمال الشعار اللاتيني كليًّا، ففي شعار إعمار الجنوب نلحظ محاكاة التباين في جعل حرفا الألف واللام رفيعين، وفي شعار ديور تمت إضافة الأسنان (serif) فوق حروف الدال والياء والراء. الهدف الأسمى هو الحفاظ على طابع الحروف الكلاسيكية كما هو متعارف عليها. 

شعارات غير رسمية من تنفيذ المصمم محمد عبدالهادي mohammed_abdelhadi@

دراسة حالة توطين شعار: سي سواغ Ce Soire

تعريب شعار سي سواغ، مخبز ومقهى بالمملكة العربية السعودية، من تنفيذ مُصممة ستوديو شعير ومُحاضرة ورشة تعريب الشعارات في شعير سكول هدى ياسين. أرسل العميل ملف دليل الهوية لتبدأ هدى مرحلة البحث والاستلهام، في البداية حلّلت الشعار اللاتيني بعناية لفهم عناصره الرئيسية، ثم استعرضت شعارات لمقاهٍ ومخابز عربية مشابهة، كما قمت بدراسة خطوط عربية تقليدية، مثل خط النسخ، لاختيار ما يتناسب مع طبيعة العلامة التجارية. بعد تجارب عديدة استقرت هدى على خيارين؛ الأول مستوحى من خط النسخ مع إدخال لمسات مستوحاة من الشعار اللاتيني، والثاني خيار مزاوجة حروفه أقرب إلى اللاتيني. قدّمت هدى الخيارين للعميل وأبدى إعجابه بالخيار الأول (الأيمن)، نظرًا لتوازنه بين الطابع العربي والأناقة الحديثة، وطلب تعديل شكل النقاط ليكون الشعار النهائي كما هو موضح بالصورة الثانية.

مشروع أكبر عمل عليه ستوديو شعير بالتعاون مع المُصمم والحروفيّ مصطفى عبد الدايم، هو شعار زوروا السعودية”. زوروا السعودية منصة مبتكرة مصممة لتقديم تجربة سياحة فريدة داخل المملكة، حيث توفر مركزًا شاملًا لتقديم خدمات تأجير السيارات والسكن والإرشاد السياحي بسلاسة. تكوّن المشروع من هوية بصرية بشعار إنجليزي في البداية، وطُلب تعريبه من مصطفى، لعكس رؤية المنصة التي تتمثل في التمسك بتراث المملكة وطموحها للمستقبل مع تقديم تجارب مميزة لزوارها حول العالم.

يخبرنا مصطفى أنه نظر إلى النص اللاتيني فوجده مكوّنًا من كلمتين مختلفتين في الأسلوب:

Visit + KSA (ستترجمان إلى: زوروا + السعودية)، حروف الكلمة الأولى متصلة ومليئة بالتعرجات، شديدة الحيوية والمرونة عالية التباين كالخط الديواني. لكن استخدام الديواني لتعريبها سيولد مشكلة أخرى تتعلق بالديناميكيات المكانية، لأنه أقل انتظاما على السطر، حيث تميل الحروف إلى التداخل والتشابك، فالكلمة الواحدة بالديواني قد تأخذ انحناءات تتجاوز السطر أو تلتف حوله مما يخلق مساحات وفراغات زائدة عن التكوين. حل المشكلة كان في أخذ مزايا الديواني وطويه داخل بناء سطري أكثر انتظامًا، كالبناء الخاص بخط النسخ حيث تعتمد حروفه على السطر الأفقي، مع ارتفاع وانخفاضات متناسقة. حروف خط النسخ سواء المرتفعة (كالألف واللام) أو النازلة (كالياء والنون) موزونة ولا تُحدث فراغات كبيرة.

تحدي آخر واجه مصطفى حين أراد استنساخ حركة الامتداد في حرف T، ظهر أمامه خياران لإضافتها داخل الألف: أعلى وأسفل. الحل كان في البحث في أنواع الخطوط ليجد الأشكال الزخرفية داخل خط الديواني الجليّ، ويجد أغلب الحركات الزخرفية لحرف الألف سُفلية وهو ما اتبعه. يُسمِّي مصطفى ما فعله باحترام “منطق الحرف” لأنه اختار جعل حلية الألف لأسفل كما المتعارف عليه واختيار العكس يُعد مخالفة للشكل المتوقع للحرف الذي ابتكره الخطاطون الأوائل، وهو ما توصل إليه بعد دراسة وبحث متميزين. أما في كلمة السعودية فاختار المصمم خط طباعي هندسي جاهز مع بعض التعديلات ليشبه نظيره في KSA.

تبرز في هذا المشروع أهمية الاستلهام من قواعد الخط الكلاسيكي، وقدرات الخط العربي على تقديم حلول بصرية معاصرة تنتظر من يستخرجها منه.

في توطين الخطوط الطباعية، يبدأ طريق عمل المصمم من الخط العربي لا اللاتيني، ويعمل على إنتاج ما يتماشى مع روح اللاتيني حتى وإن لم يشبهه شكلًا. يحتاج المصمم إلى تنمية المهارة والإحساس الفني بالمواد البصرية العربية لديه، من خلال مشاهدة مطبوعات عربية كثيرة وفهم الاستخدامات المختلفة لكل نوع من الخطوط عليها. دراسة الخطوط الكلاسيكية ليست شرطًا أساسيًّا، لكن معرفة الخطوط العربية وشخصياتها واحترام قواعدها وموازنة الكتلة والفراغ وفهم نسب الحروف، كلها عناصر ضرورية وأساسية لضمان جودة التعريب. إن أراد المصمم تعريب خط طباعي مع حفظ الهوية العربية، فهناك طريقتان:

أن يرسم الخط كاملًا بجميع رموزه واتصالاته، بالطبع سيكون خطًّا كلاسيكيًّا كالرقعة أو الديواني، مع ضمان توافق الطابع الخاص بالإنجليزي كما وضحنا. أو أن يختار خطًّا طباعيًّا عربيًّا موجودًا بالفعل، واعتاد القارئ رؤيته، ويجري عليه تعديلات طفيفة (في بعض الحالات، هناك من يعدل جميع رموز الخط لتتناسب مع الخصائص المطلوب توافقها).

في حالة العمل بالطريقة الثانية، يُفضل الالتزام بالإرشادات التالية:

  • مراعاة تجربة المستخدم، بمعنى أن يبحث عن الخطوط التي يراها المستخدم العربي في حياته اليومية والمستخدمة بشكل كبير يومي في الجرائد والمجلات والمُلصقات والإعلانات. مع الأسف تلك الخطوط قليلة جدًّا، وغالبًا ما تقتصر على أربع أو خمس خطوط شائعة في العالم العربي.
  • سيختار الأنسب منهم بعد دراسة الأوزان المختلفة والصفات المميزة للخط اللاتيني. 
  • بعد الاختيار، يقوم بإجراء تعديلات طفيفة على الخط ليناسب الخصائص البصرية الموجودة في اللاتيني.
  • معرفة شخصية الخط وتشخيصها تُعد أهم المهارات المطلوبة، وهي مهارة تنمو مع الوقت، لأنها تُساعد في استنساخ شخصية الخط اللاتيني بشكل ملائم للخط العربي.

معظم خطوط النصوص (Text) اللاتينية تكون ذات طابع هندسي (Geometric) مع قليل من السمات الغريبة أو غير التقليدية.

دراسات حالة تعريب خطوط طباعية بطريقة التوطين

أبرز مشاريع توطين الخطوط الطباعية اللاتينية خط ليون (Lyon) النسخة العربية المستوحى من النسخ والفارسي من صُنع الثنائي وائل مرقص وخجاج أبليان، وخط Bree Arabic المستوحى من الرقعة من صُنع عزة علم الدين.

خط ليون الإنجليزي من تصميم الألماني Kai Bernau واستخدم لأول مرة داخل صحيفة New York Times Magazine عام 2009 قبل أن يُنشر بحوزة مسبك الخطوط الإنجليزي The Commercial Type، ويُعد من أشهر الخطوط استخدامًا في النصوص والإعلان وله نسختان: عادية ومائلة.

المصدر: موقع FontSpring

قرر المسبك تعريب أبرز خطوطه، فطلبوا مساعدة وائل، الذي استعان بمواطنة خَجاج، لتعريب ليون. وقد طوّر الثنائي الخط في عامين، وأخرجا النسخة العادية مستوحاة من النسخ.

المصدر: موقع MorcosKey

من أجل تصميم النسخة المائلة، كان السؤال الأبرز في ذهنهما: “كيف يمكننا تطوير شبيه للخط المائل اللاتيني دون الدفع بمفهوم غربي على النص العربي؟” لإجابته، عاد المصممان إلى المخطوطات للبحث في الأشكال المختلفة للنص العربي ويتطلعان على أنماط متنوعة للمخطوطات المكتوبة أو المطبوعة. يوضح وائل “إذا كان استخدام الخط المائل في اللاتينية لخلق تركيز مختلف، فإن مزج النصوص المختلفة في النسخة العربية سيضيف اختلافًا وتغييرًا في الإيقاع”، النتيجة كانت اختيارهما إدخال خط (النستعليق) لعمل النسخة المائلة.

“يعد خط (النستعليق) من بين أنماط الخط الأكثر مرونة وأبعاده ذات ميل طبيعية، والنتيجة هي إعادة ابتكار تقليد الخط لاستخدامه في السياقات المطبعية الحديثة”. وهو هدف أي مصمم عربي يسعى لوضع بصمته وإثراء ثقافته تاريخيًّا من خلال عمله. منح المشروع وائل وخجاج فرصة لتصميم خط طباعي من منظور عربي بحت، يؤدي أداءً مشابهًا لنظيره اللاتيني مع مراعاة الفروق الثقافية والبصرية. الطباعة العربية غنية تاريخيًّا وثقافيًّا وأشكالها تحمل طبقات من المعنى داخلها عبر الزمن، على الرغم من ذلك، لايزال المشهد التصميم الخطّي العربي ينتقل من الكتابة اليدوية (Calligraphy/Scriptwriting) إلى الطباعة (Typography) ببطء. يحاول وائل وخجاج تسهيل ذلك النضج عبر إثراء المحتوى العربي بخطوط عصرية.

أما خط Bree Arabic من إنتاج مسبك الخطوط الدولي Type Together وتنفيذ مصممته عزة علم الدين فهو حالة مميزة للتوطين بالاستلهام من خط الرقعة.

المصدر: حساب المصممة azalam@

بدأت عزة بتحليل الخط الأصلي، ثم تحديد الكلمات المفتاحية التي تصف خصائصه ووظيفته (سواء كان مخصصًا للنصوص أو العناوين)، حاولت ترجمة هذه الخصائص إلى العربية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الترجمة لا تعني التطابق الحرفي، بل نقل الجوهر. كما ركزت على مطابقة وظيفة الخط، فإذا كان Bree اللاتيني مصممًا للعناوين، يجب أن يكون Bree Arabic كذلك. اختارت عزة الرقعة كمرجع لكونه يُستخدم في الملصقات والإعلانات والعناوين الكبيرة، وبسبب شكله اليدوي وغير الرسمي.

بدأت التجارب برسم خمسة حروف (الباء والسين والواو والألف والحاء) ليسهل عليها رسم الباقي. اتخاذ القرارات التصميمية لحرف واحد يسهل على المصمم رسم باقي الحروف التي تتشارك سماته الهندسية. صممت عزة حرف الباء أولًا في شكله المنفصل، لأنه يحدد الكثير من نِسَب حروف السطر (التاء والثاء والنون… الخ)، ثم رسمت أشكاله المختلفة: أول الكلمة، وسط الكلمة، آخر الكلمة. بعدها انتقلت لحرف السين لاحتوائه على ثلاثة أسنان، ما ساعدها في اتخاذ قرار حول شكل الأسنان في بقية الحروف. ورسمت حروفًا مثل الواو والألف والهاء، لتغطية جوانب تصميمية أخرى في الخط، مثل الشكل البيضاوي والامتداد للأعلى والأسفل.

واجهت عزة تحديات مختلفة، منها مراعاة خصائص الكتابة العربية كاتجاه الكتابة من اليمين إلى اليسار، والفراغات بسبب أشكال الحروف المتصلة، كما شددت على أهمية الحفاظ على قواعد توزيع الثقل والتباين في الخط العربي، مع تعديل نسبة التباين لتتناسب مع النسخة اللاتينية. كانت هناك صعوبة في ضبط بعض وصلات الحروف (Ligatures) عند الأوزان السميكة، وكذلك في ضبط المساحات البيضاء لحروف -كالهاء- لضمان وضوحها عند القراءة.

استغرق المشروع من تسعة إلى عشرة أشهر، وعلّقت عزة أن المشروع يُظهِر احتياج مصمم الخطوط لفهم عميق للغة العربية وخصائصها البصرية، بالإضافة إلى مهارات تصميمية عالية لنقل روح الخط الأصلي بأمانة وإبداع. في مقابلة لها للتحدث عن المشروع نصحت عزة مصممي الخطوط العرب الجُدد بالبحث في تاريخ الخط العربي ودراسة أساليب الخط المختلفة، لأنهم يتعاملون مع أشكال موجودة منذ مئات السنين، وشدّدت على أهمية فهم قواعد الخط العربي التقليدية، لأنها مُتأصلة في ثقافة القراءة والكتابة، كما نصحت بمعرفة حدود تعديل الحروف، ومتى يتوقف شكل الحرف عن كونه حرفًا معينًا، ويبدأ في التشبه بحرف آخر.

نستطيع فهم التوطين بأنه إظهار النص اللاتيني بروح النص العربي. الطريقة تشجع إنتاج تصميم وظيفي يحترم قواعد الخط العربي الكلاسيكية مع محاولة الوصول إلى تناغم بصري يعكس جوهر النص الأصلي، وتركز دومًا على إبراز شخصية الحرف العربي دون تقييدها بالشكل الظاهري للنص الأصلي. لا يُرى ضرورة الالتزام باتباع النص اللاتيني من البداية لعمل تعريب جيد، بل سيتم التعبير عن الوصف المطلوب بوضوح والعمل على تحقيقه من خلال المساحة الواسعة التي يتيحها الخط العربي للوصول إلى اللاتيني.

ويظل المتحكم الأول في المشاريع التجارية هو طلبات العميل ومعايير المشروع.

شعار غير رسمي من تصميم مصمم شعير سكول هدى ياسين hodayassin118@

بأي طريقة أعمل؟

المصمم الجيد، يتكيّف حسب متطلبات المشروع، ولا يُقحِم داخله أسلوبًا أو طريقة يفضلها، لأن ذلك يعيق إيصال العمل نحو الهدف المُحدد له. جميع المصممين المذكورين قد ترى أعمالهم تجمع بين الطرق المختلفة، وهذا من نقاط قوتهم فالمصمم الجيد يحاول تغيير جلده في كل مشروع لأنه لا توجد طريقة موحدة لتنفيذ الأعمال المختلفة. ما يتحكم أولًا في اختيار المزاوجة أو التوطين لتنفيذ المشروع هو الموجز الإبداعي وطلبات العميل.

بعد سؤال العديد من المصممين وجدنا أن كثيرًا من مشاريع التعريب خاصة للعلامات العربية، تطلب تشابهًا طبق الأصل بين النصيّن، أي طريقة المزاوجة. لماذا؟ لأنه الحل الأأمن والأسهل والأكثر منطقية، فمن هذا الذي يريد امتلاك شعارين لا يشبهان بعضهما! الشعار العربي المتطابق شكلًا مع نظيره الأصلي أسرع وصولًا لأذهان العملاء، وأسهل في الاسترجاع للذاكرة البصرية، لا سيما إن كانت الشركة ذات تاريخ طويل؛ ما يجعله الحل الأول للعلامات التجارية العريقة. عمليًّا، كثير من المشاريع تطلب تعريب الشعار لملئ المساحة أمام النص الأصلي، فإن عُرِّب بالمزاوجة، فهذا يضمن مطابقة مساحته لمساحة الأصلي.  

أيضًا تؤثر ثقافة العميل -صاحب الشركة- على تفكيره وطلباته بما في ذلك التصميمية، وهذا يفسر أكثر، إذ أن الثقافة البصرية السائدة في العقود الأخيرة غربية. ركود الثقافة العربية كما وضحنا في البداية أحدث فجوة بين الفنون المحلية والتصميم الجرافيكي، مما أثر على المشهد التصميمي وجعل مطالب العملاء ومصادر استلهامهم من الخارج. حاليًّا تغير المشهد وزاد الوعي عند أصحاب الشركات والجمهور بأهمية الرجوع للهوية والثقافة واللغة المحلية، وأصبحت الأصوات تنادي بالتمسك بها ومحاولة إعطائها المكانة التي تستحق والسؤال، هل يستطيع المصمم المساهمة في ذلك من خلال مشاريع التعريب؟ بالطبع…

يمكنك كمصمم شرح أثر الطريقتين وإيجابيات كل منهما على مستقبل العلامة عند الاجتماع بالعميل، واقتراح عمل شعار يخاطب الجمهور العربي بثقافته وفنه مع ضمان تحقيق هدف الترجمة دون خسارة معنى العلامة داخل النص. وتستطيع إقناعه بعدم ضرورة تجسيد اللاتيني شكلًا، خصوصًا إن كان الخط العربي يستطيع ايصال ذات الانطباع، كما في شعار كوكا كولا القديم؛ هل قام مصمم الشعار بالنظر إلى النسخة اللاتينية؟ بالتأكيد لكنه لم يستنسخ شيئًا منه بل أخرج قلمه وكتب شعارًا جميلًا بخط الثلث.

يمكنك إضافة نقطة أخرى، وهي أن اختيار خيار المزاوجة في بعض الأحيان قد يكون ذا مردود سلبي على العلامة التجارية لاسيما إن كانت عربية وتود الحفاظ على هويتها أمام الجمهور، فلا يندهش فريق التسويق إن اكتشفوا وصول تصور خاطئ عن الشركة كأن تُرى مُقلّدة أو غربية أو تفتقر إلى الهوية. اقتناع العميل مرهون بثقافته، وأيضًا بإخبارك له بماذا يجب عليكما فعله، لأن المصمم هو المعنيّ بالعمل وهو من يستطيع ترجمة رؤية العلامة جيدًا، فإن استطاع توضيح اختياره لصاحبها فسيرشده نحو الخطوة الصحيحة، بدلًا من تنفيذ طلباته دون إبداء رأي. بالمناسبة، إن كانت العلامة ناشئة أو ذات عمر قصير فسيسهل على المصمم إقناع صاحبها بتوطين شعارها بدل مزاوجته أو حتى البدء بشعار عربي، لكن إن كانت العلامة ذات تاريخ طويل فشعارها ممتد داخل الذاكرة البصرية لجمهورها وهو ما سيدفعها لطلب نسخة عربية متطابقة.

في النهاية على المصمم أن يفهم أن أعماله ستضُاف إلى الأرشيف البصري للحقبة الحالية، وأن تغيير آراء العملاء، لن يأتي من عوامل خارجية، بل سيأتي من تغيير المخزون البصري الذي يتعرضون له يوميًّا، وهو ما يشارك المصمم في صنعه مع كل مشروع له. وكما سبقتهم مجهودات زملاؤهم وأساتذتهم؛ فما زال أمام المصممين العرب عملٌ لينجزوه إن أرادوا إكمال التغيير ووضع بصمتهم فيه، كي تعود الثقافة العربية إلى الواجهة.

إن كنت تتساءل عن الوضع قبل فترة الركود، وكيف كان شكل التعريب، انظر الجزء القادم!

الطريقة الثالثة: انعدام التشابه

ماذا إن حذفنا اللاتيني تمامًا من المعادلة، وقررنا نحن تحديد المعنى والطابع المراد إيصاله؟

ألقِ نظرة! 👇

صور اللافتات من حساب azalam@

هذه أعمال تعريب قديمة من لافتات وشعارات في مصر وإيران والمغرب، الشعاران لا يشبهان بعض البتة، اختفت المزاوجة باجتهادها والتوطين بمحاولة إيصال الروح، فقط السياق هنا من وحّد الرسالة.

الأمر مجرد ترجمة تعتمد على شخصية العلامة التجارية وعلاقة نوعية عملها وتفاعلها مع المجتمع، دون أي ارتباط أو التزام بالشعار اللاتيني. بالنظر إلى المشهد التصميمي الحالي في العالم وفي منطقتنا، يمكننا رؤية إعادة استعمال الأساليب البصرية في الماضي القريب (Retro) تتجلى داخل أغلب الأعمال الدعائية والفنية، إن نظرنا للتعريب ببعض التفاؤل فقد نتوقع توجهًا جديدًا يحذو الحذو نفسه: العودة إلى النهج الشعبي المتحرر والمستقل المبني على السياق الثقافي للغة والبلد بدون تدخل أجنبي.

تستطيع القول أن هذه الأمثلة هي التطبيق الحرفي لمعنى “الترجمة” بصريًّا، وأصل طريقة التوطين دون قيود الموجز الإبداعي الحداثي.

جديد المدونة

دورات ذات صلة

arrow_upward